محمد بن لطفي الصباغ
11
لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير
هذا الموضوع من بعده وهو « الإتقان » للسيوطي . و « الاتقان » ليس معرضا فيه سلع مرتبة مصفوفة ، مصنفة يمتاز جيدها من رديئها ، ولكنه مستودع فيه البضائع مركومة ركما من كل نوع وكل صنف . وتلك كانت سنة التأليف على عهد السيوطي ، فقد بدأت العلوم كما يبدأ كل شيء صغيرا : مسائل تضم إلى مسائل ، كالسواقي التي تأتي من الينابيع ، ثم تكون جدولا ، ثم تصير الجداول نهرا ، ثم يتجمع ماء النهر في بحيرة كبيرة . تألفت من هذه المسائل فصول ، ومن الفصول كتب ، ولو صنعنا صنيع الرياضيين ، فصورنا ذلك بخط بياني لرأيناه يصعد ويصعد حتى إذا كان القرن الرابع والخامس كان قد بلغ غاية صعوده ، ثم مشى مستقيما لا يرتفع ولكن لا ينخفض ثم بدأ النزول والانخفاض . ولكن اللّه قيض لهذه العلوم قبل أن تبدأ بالانحطاط من يجمع متفرقها ويحشد مسائلها ، في كتب شاملة ، فكان عصر ما يسمى ب ( دوائر المعارف ) أو ( المعلمات ) وأنا أقول لدائرة المعارف ( Encyclopedea ) : معلم على وزن معجم وأراه أفضل من قولنا معلمة ومعلمات . فكان منها « الاتقان في علوم القرآن » ، و « المزهر في علوم اللغة » ، و « نهاية الأرب » ، و « صبح الأعشى » وأمثالها . كتب كبيرة يختار منها ، ولا تؤخذ كلها كمعرض للثياب فيه الأزياء العربية والأفرنجية ، وملابس البدو والحضر ، والرجال والنساء ، في هذه الكتب الرأي ونقيضه ، همّ مؤلفيها الجمع لا التحقيق والتمييز والتصنيف ، واستمرت الحال كذلك حتى انقضى ما يسمونه بعصور الانحطاط ، وبدأ عصر النهضة الجديدة فرأينا في الشام من يؤلف الكتب الكثيرة لكن على طريقة « الاتقان » و « المزهر » ككتب شيخ مشايخنا الشيخ جمال الدين القاسمي .